تحيل بعض الآيات القرآنية الكريمة على لطيفة سيكولوجية تعرف بالتفاعل العكسي، أو ما يمكن أن نطلق عليه: المقاومة النفسية.

إنني أعتقد شخصيا أن الله لم يفاجئه أبدا سلوك آدم عليه السلام، ولا معصيته لأمره، بل كان يعرف تماما أن آدم سيعصي، بل ومعصيته أمر لا مفر منه لأنها سبيل الهبوط إلى الدنيا، واعتقادي هذا نابع من كون الله عالم كل شيء من جهة، ومن جهة ثانية مكننا علم النفس من اكتشاف آليات اشتغال النفوس، ومن هذه الأليات آلية الاستجابة العكسية أو التفاعل العكسي عندما يتعلق الأمر بالمنع أو الحظر أو التضييق.

تأملوا معي قوله عز وجل: في سورة البقرة: "وقلنا يا ادم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين". . البقرة 35

وفي سورة الأعراف: "ويا ادم اسكن انت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين" الأعراف 19.

لم يحرم الله على آدم من المأكولات أي شيء إلا ثمار شجرة واحدة، وتخيلوا معي الكم الهائل من المأكلولات التي لم تمنع، إنها تعد بالملايين أو على الأقل بالآلاف، والمنع طال شيئا واحدا ووحيدا. إن ما يوجد أمام آدم من أنواع الأشجار لا يعد ولا يحصى، فهناك أشجار اللوزيات، والحمضيات، والنخيل، والرمان، والزيتون والصنوبر ....

لكن لماذا يا ترى يختار آدم ما لا يحتاجه أصلا وهو مستغن عنه ويعصي ربه؟

أعتقد أن فعل المنع الذي ربطه المولى عز وجل بشجرة واحدة من دون كل الأشجار كان هدفه اختبار آليات اشتغال النفس الإنسانية باستحداث وضعية إشكالية تستدعي استجابة معينة حسب نظام الصناعة الربانية، فالبديع المتعال يعلم يقينا أن هذا المخلوق يجب وفقا لمكونات وآليات اشتغال نفسه أن يكون رده عكسيا على أمر يمس حريته ولو كان هذا الأمر إلهيا، فكان ما أراد الله، وثبت في الجنة عند الرحمان الرحيم البديع المتعال أن الإنسان مارس حريته كاملة بعصيان أمر إلهي يحد من هذه الحرية، فتأكد الإنسان من حريته في الملكوت الأعلى وغفر الله له خطيئته في الملكوت الأعلى بممارسته لحريته، لكنه عمل على إنزاله إلى الأرض لممارسة هذه الحرية ممارسة تضمن له البقاء التطور والتفوق وفق قوانين علوية تجلت في الرسالات السماوية، وكذلك تجلت في قوانين وضعية تثمثل في اجتهادات الإنسان لتطوير الضوابط والقواعد القانونية التي تضمن له العيش المشترك. إن ممارسة الإنسان لحريته تجاه أمر رباني يحيل على قدسية مبدإ الحرية عند الله ممارسة وحفظا من كل شطط، وعلى الإنسان أن يدير حياته وفق قواعد تحفظ هذه الحرية وتحفظ من شططها.

إن النفس الإنسانية تتفاعل عكسيا مع كل الأوامر التي تضيق من حريتها، وهي بهذا السلوك تسترجع ما تعتقد أنه مهدد بالنهب والاحتيال بل والسحب النهائي وهو: حرية الوجود. فالإنسان صممه الله ليعتقد يقينا أنه حر ويريد ممارسة حريته، وعليه فإما أنه سيمارسها علنا وفق القوانين، أو يمارسها سرا خوفا من القوانين السالبة لها، أو يعمل على تغيير القوانين بالقوانين أو بالثورة على القوانين. وهذه من اللطائف التي تسكن آية المنع الرباني في الجنة. فالمنع يتضمن حدا من الحرية التي نعتقد أنها غاية وجودنا، والله أوكل لنا بتوجيه منه مسؤولية ضبط منحيات هذه الحرية بشكل لا تطغى فيه حرية البعض على حرية البعض الآخر.

لكن ما معنى قوله عز وجل:

"فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سواتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين" الأعراف 20

لقد كان دور إبليس هو تحريك الآلة النفسية لتكتمل سيرورة البناء واتخاذ قرار تجاوز المنع، إن التفاعل العكسي مع الأوامر يكون حسب السيكولوجيا مرتبطا بإحساس الإنسان بالتضييق على حريته من جهة، وكذلك إذا أحس أن هذا المنع سيفقد ميزة معينة لا سيبل للوصول إليها إلا باقتحام حائط المنع. إن منهجية التفاعل هذه تشير إلى التأثير النفسي الذي تمارسه المغريات على سيررورة اتخاذ القرارات التي تظهر فيها البدائل الجديدة الممنوعة أكثر جاذبية، ومع عنصر الحظر أو المنع تصبح الأمور الجذابة أكثر جاذبية إذا ظهر للإنسان أنها محدودة وممنوعة. وعليه، جمع الله لآدم سببين كافيين ليمتحن إنسانيته لا ملائكيته ولا شيطانيته، فكان جليا أن هذا المخلوق حر ويقرر بنفسه، وعليه فقد صمم الله عز وجل مخلوقا من نوع خاص، فكما عصى هذا المخلوق ربه ، يمكن أن يعصي شيطانه، ويمكن أن يعصي ونفسه ويستقل بقراراته وفقه منطق إنساني حر. الإنسان مخلوق مؤهل ربانيا ليعيش حرا.