الرئيسية / دين ودنيا / تأملات قرآنية 9: موسى والنساء 1: أم بيولوجية وأم بالتبني/ د. عبد الجليل أميم

تأملات قرآنية 9: موسى والنساء 1: أم بيولوجية وأم بالتبني/ د. عبد الجليل أميم


https://www.ispeech.org
من عجائب نبي الله موسى أن سخر الله له نساء مناصرات لعبن دورا مهما في تطور حياة هذا النبي الكريم. ومن جميل كلام رب العالمين أن تكون أمه تحت عين الرحمن يلهمها من الأفكار ما تنجي به ابنها ونبيه عليه السلام،(وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) القصص
ومن جميل الآية أنها تؤكد على حتمية القوانين الطبيعية فلا تلجأ للإعجاز الخارق لتخليص موسى من مذبحة فرعون التي طالت كل مولود ذكر، بل تعانق العلم جملة وتفصيلا، إذ كان على الأم المحبة الحنونة أن ترضع موسى لكي يشبع، وينام، كما كان عليها في نفس الوقت أن تلقيه في التابوت المصنوع من الخشب ليصل إلى الساحل سالما، ويأخذه ويربيه فرعون نفسه وهو لا يشعر، هنا بالضبط تظهر دلالة قوله عز وجل في سياقات مختلفة: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون) النمل. إنه توظيف للقواعد العلمية لتحقيق أمر علوي، وسيتضح الأمر أكثر عندما سيصل موسى إلى الساحل ويصل خبره إلى فرعون، فتحبه زوجة عدوه المستقبلي وترغب في تبنيه بل وتقول لفرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه، إن محبة زوجة فرعون لموسى هي من محبة الله له، فقد أخبرنا عز وجل بذلك بقوله: (وألقيت عليك محبة مني). إن نفس امرأة فرعون نفس نظيفة كريمة محبة للخير وافقت نفس موسى النبي الكريم، فجمع الله بين أم تريد ابنا وابنا يريد أما، وعدو مؤجل سيسعى لتدمير الجميع لكن بعد فوات الأوان.
من لطائف الآية (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) القصص، أن خضع فرعون لرغبة زوجته وهو الذي يذبح الرجال ويستحيي النساء ويقتل الأطفال، مكانة امرأة فرعون في دواخل فرعون عالية بالتأكيد ولا يجادل فيها إلا مكابر، هنا تصبح زوجة فرعون المرأة الثانية في سلسلة النساء اللواتي ناصرن نبي الله وهو وهن لا يشعرن. ويصدق على بيت فرعون حقيقة : كم من رجل سعيد في زواجه لكن لم تكن زوجته امرأة سعيدة بزواجها. ومدار الاختلاف بينهما يكون عميقا في شخصيتهما.
إن نزول فرعون عند رغبة زوجته إضافة إلى كونه إرداة الله، فإنه يرجع إلى حقيقة أن النساء غالبا ما يحملن عبئا أكبر في العلاقات بالمقارنة مع الرجال، فلها عليه أفضال، بل إن المعروف والثابت علميا أن النساء يَمِلْن إلى الاعتناء بشريكهن، وقد كان فرعون سعيدا بعلاقة لم تكن زوجته إطلاقا سعيدة بها. كما لا يبعد أن يكون فرعون معجبا ومغرما بزوجته لدرجة أنه نزل عند أمرها وهو الإله عند نفسه الذي لا يجب إلا أن يطاع. بالله عليكم، أية قوة وجدانية وعاطفية هذه التي تمتلكها زوجة فرعون وتوظفها في الوقت المناسب؟ ولا تتعجبوا فامرأة فرعون نفسها حالة خاصة ضرب الله بها مثلا للذين آمنوا رجالا ونساء، إنها ارتقت في مدارج الإيمان ارتقاء عاليا، كانت بداياته مع اختراق حب موسى شغاف قلبها، وحب موسى من حب الله، وبلغ أوجه بطلب بناء بيت لها في الجنة والنجاة من فرعون وعمله. وما أدراك ما عمل فرعون؟ إن الذي يربط بين الطاغية ومحبيه غالبا ما يكون نوع من الطمع ، فالسلطة في الأنظمة المستبدة مثل نظام فرعون تقوم على طاقة الديكتاتور في الإغواء، وليس فقط في الإكراه، وهو ما يفسر لنا كيف ترى الكثير من النساء في الحاكم القاتل رمز للغواية، ليس لأنه جميل المحيا، أو بهي الطلعة، بل لأنه يحقق لهن أحلامهن المريضة في القتل والقمع..والتمتع والتسلط والتبذير و... لكن كانت هذه المؤمنة استثناء على غير عادة النساء، إنها كانت تشعر يقينا أن ضعفها كامرأة يتحول بقدرة قادر إلى قوة أمام فرعون عندما يتوجه إليها بالحديث. وكانت واعية بقدرته على الرفض لذلك زينت طلبها بسببين وجيهين هما: أنه طفل يمكن أن ينفعنا، بل أكثر من ذلك يمكن أن يكون ابنا لنا، زد على ذلك أنها غلفت خطابها بمسحة وجدانية جميلة خاطبت بها جوانية فرعون، إنه قرة عين لي ولك، أي أنها مسرورة جدا به ولا تطمح إلى ما سواه، يعني أنها أحبته، ويبدو أنه جد جميل يسر العين ويأسر القلب، ولا يمكن لفرعون إن كان يحبها ويعزها أن يحرمها مما تحب وتعز، لقد كانت امرأة فرعون متأكدة من تقلبات مزاج الطاغية، ذلك أن حياة الطغاة الخاصة تحمل بالتأكيد كثيرا من المفاجآت، وأهمها أنهم يخضعون بالتأكيد لرغبات من يحبون أو يرغبون فيه أو في خدماته كم أنهم في رمشة عين يمكن أن ينقلبوا عليه، لكنها غامرت وكلها ثقة في استجابته فكان لها ما أرادت، ولم يكن لفرعون ما أراد، وكان لأم موسى ما أرادت كذلك. لقد كان زواج هذه المؤمنة بفرعون تحد كبير لنفسيتها وإمكاناتها الذاتية، وعليه، نقول دائما بأن الزواج زواج الأفكار والقيم والمعايير قبل أن يكون زواج الأجساد، لذلك نركز على ما يجمع من التصورات والمعتقدات، فكلما كانت متقاربة ساعدت على الاندماج السلس، وكلما تباعدت تنافرت السلوكات والأحكام والتأويلات وصعب بل ربما استحال الاندماج، وعليه، لا تختر أو تختاري أبدا للزواج من قيمه ومعاييره تناقض قيمك ومعاييرك ولو أعجبك، فهذا البعد من الشخصية هو الذي يحدد نجاحك وفشلك، وسعادتك وتعاستك.
لقد بدأت صناعة موسى بين أم بيولوجية حقيقية وأم بالتبني وعدو غدا لعبة في يد القدر. ويبدو أن هذا بعض ما جاء في قوله عز وجل: ولتصنع على عيني. وسيتعمق هذا أكثر عندما سيصبح ساكنا في قصر الجبار فرعون، ويستدخل في تنشئته كل أشكال الجبروت، ويعايش كل أنواع الظلم، ويصل إلى اليقين المطلق من أن سبيل فرعون سبيل المجرمين لأنه رآى الإجرام رأي العين فيما يعج في القصر من أشكال الفساد الإفساد والاستبداد. إن ما يمكن استنتاجه من مجموع هذه النصوص المقدسة كبير وكبير جدا، فلا يوجد شيء لا يمكن التعرف عليه من حيث المبدأ ، ومع ذلك لن يكون الإنسان قادرًا على إدراك كل شيء لأنني شخصيا أعتقد بوجود مساحة "ما وراء قدرتنا على المعرفة" وهي على الأرجح كبيرة بشكل لا يمكن تصوره، لاعتبارات علمية محضة، أهمها خاصية أو مسلمة التطور.

 

د. عبد الجليل أميم/ نور السلام بريس

حول Omar Benbadryef

Omar Benbadryef
Omar Benbadryef natif de Marrakech / Maroc. 1987 : Diplôme de Baccalauréat. 1988/1991 : Etude de la littérature française à l’Uni. Cadi Ayad de Marrakech / Maroc. 1991 : Photographe-journaliste avec International Foto Press Agentur (IFPA) Haag-Singen en RFA. 1995/1996 : Chef rédacteur de la revue arabique : Mayence Al Arabia au CIM en RFA. 1996/2002 : Etude de science politique/ Pédagogie / Ethnologie à l’Université Johannesburg de Mayence/ Allemagne (Mainz in Deutschland) et à l'Université de Trèves en Allemagne (Trier in Deutschland). 2003 : Certificat de journaliste par SGD de Darmstadt / Allemagne. 2004 : Diplôme en commerce électronique (Bac + 5) en SGD de Darmstadt / Allemagne. 2008 : Journaliste avec le journal arabophone « l’information d’aujourd’hui ». 2009/2010 : Journaliste au journal électronique : marrakechpresse.com. 2018 : Fondation et création du journal électronique : www.noorsalampress.com

اترك رد

Your email address will not be published. الحقول المطلوبة محددة *

*