الرئيسية / دين ودنيا / فــقــه الـمــوازنــات / د. صلاح الدين النكدلي

فــقــه الـمــوازنــات / د. صلاح الدين النكدلي


iSpeech
"فقه الـموازنات .. نعني به جملة أمور:

أ-الـموازنة بين المصالح بعضها وبعض، من حيث حجمها وسعتها، ومن حيث عمقها وتأثيرها ، ومن حيث بقاؤها ودوامها… وأيها ينبغي أن يُقدَّم ويُعتبر ، وأيها ينبغي أن يُسقط ويُلغى .

ب- الـموازنة بين المفاسد بعضها وبعض ، من تلك الحيثيات التي ذكرناها في شأن المصالح ، وأيها يجب تقديمه ، وأيها يجب تأخيره أو إسقاطه.

جـ- الـموازنة بين المصالح والمفاسد ، إذا تعارضتا ، بحيث نعرف متى نُقدم درء المفسدة على جلب المصلحة ، ومتى تُغتفر المفسدة من أجل المصلحة.

  • الحاجة إلى مستويين من الفقه :

ونحن في هذا المقام نحتاج إلى مستويين من الفقه :

أولهما : ( فقه شرعي ) يقوم على فهم عميق لنصوص الشرع ومقاصده ، حتى يُسلّم بصحة « مبدأ الموازنات » المذكور ، ويعرف الأدلة عليه ، وهي واضحة لمن استقرأ الأحكام والنصوص وغاص في أسرار الشريعة.

فما جاء الشرع إلا لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد ، برتبها المعروفة : الضرورية ، وإلحاجيه ، والتحسينية.

والآخر : ( فقه واقعي ) مبني على دراسة الواقع المعيش دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع ، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات ، مع التحذير هنا من تضليل الأرقام غير الحقيقية المستندة إلى المنشورات الدعائية ، والمعلومات الناقصة ، والبيانات غير المستوفية ، والاستبانات والأسئلة الموجَهة لخدمة هدف جزئي معين ....

  • تكامل الفقهين في النظر إلى المصالح والمفاسد :

ولا بد أن يتكامل فقه الشرع ، وفقه الواقع ، حتى يمكن الوصول إلى الموازنة العلمية السليمة ، البعيدة عن الغلو والتفريط.

والجانب الشرعي هنا واضح من الناحية المبدئية . فقد تحدثت عنه كتب أصول الفقه من « المستصفى » إلى « الموافقات » ، وكتب القواعد والأشباه والفروق.

إن المصالح إذا تعارضت فُوِّتت المصلحة الدُّنيا في سبيل المصلحة العليا ، وضُحِّي بالمصلحة الخاصة من أجل المصلحة العامة ، ويعوض صاحب المصلحة الخاصة عما ضاع من مصالحه ، أو ما نزل به من ضرر . وأُلغيت المصلحة الطارئة لتحصيل المصلحة الدائمة أو الطويلة المدى ، وأُهملت المصلحة الشكلية لتحقيق المصلحة الجوهرية ، وغلبت المصلحة المتيقنة على المظنونة أو الموهومة.

وفي صلح الحديبية رأينا النبي صلى الله عليه وسلم ، يغلب المصالح الحقيقية والأساسية والمستقبلية على بعض الاعتبارات التي يتمسك بها بعض الناس ، فقبِل من الشروط ما قد يُظن لأول وهلة أن فيه إجحافاً بالجماعة المسلمة ، أو رضاً بالدون ، ورضي أن تُحذف البسملة المعهودة ، ويكتب بدلها « باسمك اللهم » وأن يُمحى وصف الرسالة من عقد الصلح ، ويُكتفى باسم محمد بن عبد الله… والأمثلة كثيرة ، والمجال ذو سعة.

وإذا تعارضت المفاسد والمضار ، ولم يكن بُدّ من بعضها ، فمن المقرر أن يُرتكب أخف المفسدتين ، وأهون الضررين.

هكذا قرر الفقهاء : أن الضرر يُزال بقدر الإمكان ، وأن الضرر لا يُزال بضرر مثله أو أكبر منه ، وأنه يُتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى ، ويُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

ولهذا أمثلة وتطبيقات كثيرة ذكرتها كتب « القواعد الفقهية » أو « الأشباه والنظائر »…

وإذا تعارضت المصالح والمفاسد ، أو المنافع والمضار ، فالمقرر أن يُنظر إلى حجم كل من المصلحة والمفسدة ، وأثرها ومداها…

فتُغتفر المفسدة اليسيرة لجلب المصلحة الكبيرة.

وتُغتفر المفسدة المؤقتة لجلب المصلحة الدائمة أو الطويلة المدى.

وتُقبل المفسدةُ وإن كبرت إذا كانت إزالتها تؤدي إلى ما هو أكبر منها.

وفي الحالات العادية : يُقدم درء المفسدة على جلب المصلحة.

وليس المهم أن نُسلم بهذا الفقه نظرياً… بل المهم كل المهم أن نمارسه عملياً…

فكثير من أسباب الخلاف بين الفصائل العاملة للإسلام ، يرجع إلى هذه الموازنات…

- هل يُقبل التحالف مع قُوى غير إسلامية ؟

- هل تُقبل مصالحة أو مهادنة مع حكومات غير ملتزمة بالإسلام ؟

- هل تمكن المشاركة في حكم ليس إسلامياً خالصاً ؟ وفي ظل دستور فيه ثغرات أو مواد لا نرضى عنها تمام الرضا ؟

- هل ندخل في جبهة معارضة مكونة من بعض الأحزاب لإسقاط نظام طاغوتي فاجر ؟

- هل نقيم مؤسسات اقتصادية إسلامية مع سيطرة الاقتصاد الوضعي الربوي…؟؟

- هل نُجيز للعناصر المسلمة العمل في البنوك والمؤسسات الربوية أم نُفرغها من كل عنصر متدين ملتزم ؟؟…

  • أدلة من القرآن على فقه الموازنات :

والمتدبر للقرآن الكريم مكيه ، ومدنيه ، يجد فيه أدلة كثيرة على فقه الموازنات والترجيح.

* نجد في الموازنة بين المصالح قوله تعالى على لسان هارون لأخيه موسى عليهما السلام : { يَبْنَؤُمَّ لا تأخذْ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم تَرقُبْ قولي }[طه:94].

* وفي الموازنة بين المفاسد والأضرار نجد قوله تعالى على لسان الخضر في تعليل خرق السفينة : { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً } [الكهف:79].

فلأن تبقى السفينة لأصحابها وبها خرق أهون من أن تضيع كلها ، فحفظ البعض أولى من تضييع الكل.

ومن أبلغ ما جاء في الموازنات قوله تعالى : { يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبير وصدٌ عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجدِ الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل } [البقرة:217].

فقد أقرّ بأن القتال في الشهر الحرام كبير ، ولكن لمقاومة ما هو أكبر منه.

* وفي الموازنة بين المصالح المعنوية والمادية ، نقرأ قوله تعالى عتاباً للمسلمين عقب غزوة بدر : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخن في الأرض تريدون عرَضَ الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم } [الأنفال:67].

وفي الموازنة بين المصالح والمفاسد نقرأ قوله تعالى : { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما } [البقرة:219].

* وفي الموازنة بين الجماعات والقُوى غير المسلمة بعضها وبعض ، نقرأ أوائل سورة الروم ، وفيها انتصار للروم على الفرس ، وكلا الفريقين غير مسلم لأن الروم أهل كتاب ، فهم أقرب إلى المسلمين من المجوس عباد النار ..

لقد أفتت بعض الندوات المتخصصة في الاقتصاد الإسلامي التي جمعت بين عدد من أهل الفقه وآخر من أهل الاقتصاد بشرعية الاشتراك في المؤسسات والشركات التي تنشأ في البلاد الإسلامية ، وتعرض أسهمها على الجمهور ، ويكون أصل عملها مباحاً ، ولكن قد يشوبه بعض التعامل بالفوائد الربوية ، فرئي - في ضوء فقه الموازنات - ألا تترك هذه الشركات المهمة والمؤثرة في الحياة لغير المسلمين ، أو للمسلمين غير المتدينين ، وفي هذا خطر كبير ، وخصوصاً في بعض الأقطار ، ويمكن للمساهم أن يخرج من أرباحه نسبة تقريبية يتصدق بها في مقابل الفوائد التي شابت ربحه.

وفي ضوء هذا الفقه أُفتي الشباب المسلم الملتزم ألا يدع عمله في البنوك وشركات التأمين ونحوها ، وإن كان في بقائه فيها بعض الإثم ، لما وراء ذلك من استفادته خبرة يجب أن ينوي توظيفها في خدمة الاقتصاد الإسلامي ، مع إنكاره للمنكر ولو بقلبه ، وسعيه مع الساعين لتغيير الأوضاع كلها إلى أوضاع إسلامية.

  • إذا غاب فقه الموازنات :

إذا غاب عنا فقه الموازنات سددنا على أنفسنا كثيراً من أبواب السعة والرحمة ، واتخذنا فلسفة الرفض أساساً لكل تعامل ، والانغلاق على الذات ُتكأةً للفرار من مواجهة المشكلات ، والاقتحام على الخصم في عقر داره.

سيكون أسهل شيء علينا أن نقول : « لا » أو : « حرام » في كل أمر يحتاج إلى إعمال فكر واجتهاد.

أما في ضوء فقه الموازنات فسنجد هناك سبيلاً للمقارنة بين وضع ووضع ، والمفاضلة بين حال وحال ، والموازنة بين المكاسب والخسائر ، على المدى القصير ، وعلى المدى الطويل ، وعلى المستوى الفردي ، وعلى المستوى الجماعي ، ونختار بعد ذلك ما نراه أدنى لجلب المصلحة ، ودرء المفسدة.

دعيتُ إلى الكتابة منذ بضعة عشر عاماً في مجلة « الدوحة » القَطرية ، وكانت مجلة أدبية ثقافية عامة ، وأغلب من يشرف عليها علمانيون ، والطابع الغالب عليها إن لم يكن مجافياً للإسلام فليس موالياً له ، ولا مدافعاً عنه.

وترددت في الاستجابة طويلاً ، ثم رأيت بعد الموازنة أن كتابتي فيها أجدى وأنفع من مقاطعتي لها ، فإن قراءها يمثلون قاعدة عريضة من المثقفين ، وجلهم ممن لا يقرؤون المجلات الإسلامية… ولا بد لنا أن نوصل كلمتنا إلى هؤلاء ، أداءً لواجب البلاغ إذا أتيحت لنا الفرصة.

وهذا ما يجعلنا نقبل الحوار مع مندوبي بعض الصحف والمجلات التي قد لا نتفق معها في خطها كثيراً أو قليلاً.

ولا يزال بعض الإخوة ينكرون على من يكتب في الصحف اليومية التي لا تلتزم بالخط الإسلامي الصريح ، حتى إن بعضهم أنكر عليّ نشري لكتابي « الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم » على حلقات في صحيفة « الشرق الأوسط » السعودية ، لما لها من مواقف قد لا يرضون عنها مع أني لمست جدوى هذا النشر في جمهور كبير من الناس.

بل هناك من يرى مقاطعة أجهزة الإعلام كلها : مقروءة ومسموعة ومرئية ، لما يشوبها من انحراف وفساد في الفكر والسلوك ، ناسين ما لها من خطر بالغ على العقول والضمائر ، وأن تركها لا يزيدها إلا فساداً وخبالاً ، وسيمكن العلمانيين والمنحلين من التغلغل فيها ، والتخريب لها ، وسيحرمنا نحن من فرص لا نجد لها عوضاً.

ومن نظر إلى الأمر في ضوء فقه الموازنات وجد أن الدخول في هذه الميادين الهامة ليس مشروعاً فحسب ، بل هو مستحب ، بل واجب ، لأنه وسيلة إلى أداء أمانة الدعوة ومقاومة الباطل والمنكر بقدر المستطاع ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، كما هو مقرر ومعلوم "

 

صلاح الدين النكدلي/نور السلام بريس

حول Omar Benbadryef

Omar Benbadryef
Omar Benbadryef natif de Marrakech / Maroc. 1987 : Diplôme de Baccalauréat. 1988/1991 : Etude de la littérature française à l’Uni. Cadi Ayad de Marrakech / Maroc. 1991 : Photographe-journaliste avec International Foto Press Agentur (IFPA) Haag-Singen en RFA. 1995/1996 : Chef rédacteur de la revue arabique : Mayence Al Arabia au CIM en RFA. 1996/2002 : Etude de science politique/ Pédagogie / Ethnologie à l’Université Johannesburg de Mayence/ Allemagne (Mainz in Deutschland) et à l'Université de Trèves en Allemagne (Trier in Deutschland). 2003 : Certificat de journaliste par SGD de Darmstadt / Allemagne. 2004 : Diplôme en commerce électronique (Bac + 5) en SGD de Darmstadt / Allemagne. 2008 : Journaliste avec le journal arabophone « l’information d’aujourd’hui ». 2009/2010 : Journaliste au journal électronique : marrakechpresse.com. 2018 : Fondation et création du journal électronique : www.noorsalampress.com

اترك رد

Your email address will not be published. الحقول المطلوبة محددة *

*