الرئيسية / آراء / زمن كورونا: نظام حياة جديد/ ذ. ربيعة الجدلي

زمن كورونا: نظام حياة جديد/ ذ. ربيعة الجدلي


iSpeech
بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد لله رب العالمين قيوم السماوات والارضين، مدبر الخلائق اجمعين، باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم اجمعين، احمده على نعمه واساله المزيد من فضله وكرمه.

اما بعد :

فقد جاءت كورونا بنظام حياة جديد يعتمد على العزلة والانفرادية وحب الذات وعدم الاعتراف بالآخر، وعدم مراعاة وجود الاخر ولا الاعتماد عليه.

نظام يقوم على قاعدة "انا ومن ورائي الطاعون" وكل هذا ثم بناؤه على الخوف؛ فقد أصبح الانسان يخاف من كل شيء حتى من أقرب الناس اليه، لم تكن أي سياسة تستطيع الوصول الى ما وصل اليه هذا الفيروس "كورونا" من نتائج أهمها:

استطاع ان يصنع انسان حداثي جديد لا يهتم بالقيم ولا التقاليد ولا حتى الأعراف.

انسان لا يعترف الا بالانا والخوف عليها من كل ما قد يهددها ولو بالقول، ويسعى جاهدا الى التخلص من كل شيء، والابتعاد عن كل ما يمكن ان يهدد هذه الانا ولو كان أقرب المقربين، فما غرسه فيروس "كورونا " من خوف ورعب في الذات على الذات جعله يتحكم في تصرفات كل انسان، ويملي عليه ما يجب ان يفعل وما لا يجب ان يفعل، بغض النظر عن أي مصدر اخر من المصار التي كان يستقي منها هذا الانسان منهجه في الحياة.

فلم يعد هناك مجال الا لفيروس" لكورونا " وما يجب ان نفعله من اجل ان يتركنا نعيش بسلام.

كورونا – كوفيد 19-فيروس ليس حي ولا يرى بالعين المجردة يغير معايير وقيم حياة كل البشر، ويوجههم الى الوجهة التي يريدها هو حتى ولو لم تكن هذه الوجهة معلومة او محددة، فيخضع الجميع دون مناقشة او تردد؛ لأنه يلعب على وثر الخوف. وكل انسان يخاف على نفسه وحياته أكثر من أي شيء اخر؛ لذلك يجعله كوفيد 19 يمتثل لأوامره وقواعده بكل طواعية وخضوع، دون مناقشة او مجادلة او حتى تعليق...جعله يمتثل دون ملل او كلل راجيا منه ان يبقي عليه ولا يصيبه فيرديه.

وهكذا مع تخفيف الحجر الصحي نخرج من هذا الابتلاء بنتائج أهمها.

- ابتلينا بالوحدة لنعرف قيمة العائلة واهميتها في حياتنا ومن تم لنسعي جاهدين للمحافظة عليها "صلة الرحم"

- ابتلينا بالقبوع في البيت لنعرف قيمة الخروج والتحرك بحرية والعيش بأمان في مجتمع تسوده المحبة والاخوة والامن والأمان.

- ابتلينا بالجلوس من العمل وحرم الكثير منا من مصدر قوته، لنعرف قيمتنا عند بعضنا، وقيمة الدولة التي نعيش بها والتي لم تدخر جهدا في مساعدة هؤلاء.

- ابتلينا بالمرض فصبرنا وتحملنا وقلنا فقط لا تكون "كورونا " واي شيء اخر نستطيع تحمله، فتعايشنا مع امراضنا وحاولنا معالجة أنفسنا بالغداء والدواء وكل ما تيسر من غير ان نضطر للذهاب الى المصحة.

- ابتلينا بإقفال المساجد فاجتهد كل واحد منا على ان يجعل بيته مسجدا، ويحرص أكثر من أي وقت اخر على الصلاة في وقتها مع عائلته الصغيرة، لنخلص الى المقولة الشهيرة لشيخ الإسلام ابن تيمية "انا جنتي وبستاني في صدري، اين رحلت فهي معي لا تفارقني ..."[1]

- ابتلينا بالعزلة فظهرت وانتعشت وسائل ووسائط التواصل الاجتماعي التي أصبح الانسان بها ومن خلالها يتواصل أكثر من أي وقت مضى؛ لنقف على ان الانسان اجتماعي بطبعه وان العزلة والانفراد لا يولد الا الامراض النفسية والاضطرابات، بينما التواصل والتعايش يولد الالفة والامان والاستقرار النفسي، وان الانسان لا يستطيع ان يعيش بمفرده ولو توفرت له كل الشروط والظروف.

- ابتلينا بالحذر الشديد من لمس او الاقتراب من أي شيء مهما كان وكيفما كان، والحرص الشديد على النظافة والتعقيم و.. ؛ فمنا من تشدد وافرط في ذلك حتى أصيب بأمراض جلدية وهناك من قصر وفرط فأصيب بأمراض جرثومية،  لنقف على القاعدة الأساسية التي وضعها لنا هادي الامة المصطفى المختار عليه افضل الصلاة وازكى السلام  :"لا ضرر ولا ضرار"[2]  أي لا افراط ولا تفريط ،  وضرورة الأخذ بالأسباب مع تفويض الامر لرب العباد.

وهكذا حال المسلم فكلما ضاقت عليه ازداد ايمانه ويقينه بالفرج لقوله تعالى "ان مع العسر يسرا" سورة الشرح الاية 6، ورغم كل الانتصارات التي حققها فيروس "كورونا " –كوفيد 19-نقول ان الانسان –وخصوصا المسلم-هو الأذكى لأنه سلك مع هذا الوباء الخطير سياسة "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم 33 وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم " سورة فصلت الآية 33- 34

كورونا اكسبتنا مناعة جديدة لم نكن لنكتسبها لولا هذا الابتلاء:

اكسبتنا مناعة في صحتنا: حيث تخلينا عن العادات الغذائية السيئة، ورجعنا إلى الغذاء الصحي الطبيعي الذي يقوي مناعتنا، ويحمي جسمنا من الأمراض والأوبئة.  -

- اكسبتنا مناعة نفسية : فرغم العزلة والانفراد نحن كمسلمين لم نعرف ذاك الهلع والرعب الذي توفى بسببه الكثيرون ، وانتحر بسببه اخرون في بلاد غير المسلمين بينما زادت هذه الازمة المسلمين ايمانا بالله وتقربا منه،  وهناك الكثير منهم ممن استعاد نفسه مما كان قد سلبها منه من تداعيات الحياة؛ لان المومن يومن بما اخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها " سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فاخبرني انه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله رحمة للمؤمنين، فليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بيته صابرا محتسبا يعلم انه لا يصيبه الا ما كتب الله له الا كان له مثل اجر الشهيد "[3].

- اكسبتنا مناعة في مجتمعنا: حيث ظهرت مختلف وسائل المساعدة والمؤازرة بين مختلف شرائح المجتمع من جهة، وبين السلطة والمجتمع من جهة أخرى، وظهرت بوضوح قوة المجتمع الإسلامي في عز الازمة، وتجلت حقيقة قيمة التكافل الاجتماعي واضحة للعيان، التي يجب ان نستمر عليها ونحافظ عليها حتى بعد الازمة.

- اكسبتنا مناعة في اسرتنا: حيث تمكن الاباء من الجلوس مع ابناءهم والتعرف على مستواهم الدراسي الحقيقي، وافكارهم وتوقعاتهم للحياة، وبالتالي اكسبتنا تجربة حياتية متميزة وغنية نستطيع معها الخروج بحلول ونتائج لا شك أنها ستكون مهمة لفائدة الاسرة والمجتمع.

- اكسبتنا مناعة ضبط النفس: وهي مناعة تكسب الانسان قوة لا يستطيع أحد معها هزيمته او النيل منه.

وفي الأخير أقول كما يقول النابلسي: ان الاخذ بالأسباب من سنن الحياة والمؤمن هو الذي يأخذ بالأسباب كأنها كل شيء، ويتوكل على الله كأن هذه الأسباب ليست بشيء.

ولا ننسى نحن كمسلمين ان الاعمار بيد الله وان لكل اجل كتاب.

وكما قال رسول الله صلى الله عيه وسلم: "الطهور شطر الايمان والحمد لله تملا الميزان وسبحان الله والحمد لله تملا ما بين السماء والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقران حجة لك او عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها او موبقها "[4]

وقال أيضا: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"[5].

وقال صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"[6].

وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"[7].

وقال: " ارحموا من في الأرض يرحمكم منفي السماء "[8].

وقال: " ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع الى جانبه."[9].

وقد كان صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الانفاق، ويذكر من فضائله ما تمتلئ به القلوب وتزدهر، فكان يقول: " الصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار " رواه احمد والترمذي وابن ماجة.

بهذه القواعد وغيرها من قواعد ديننا الحنيف بنى الرسول صلى الله عليه وسلم مجتمع جديد قائم على تزكية النفوس ومكارم الاخلاق، وآداب الود والاخاء والشرف والعبادة، وبها ترسى قواعد المجتمع القوي الذي لا يستطيع أحد زعزعته سواء كان فيروسا او غيره.

 

   الوابل الصيب لابن القيم 48  [1]

حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني [2]

   رواه البخاري في صحيحه[3]

  • رواه مسلم في صحيحه [4]

  رواه مسلم[5]

رواه البخاري ومسلم[6]

   متفق عليه [7]

سنن اب داوود 2/230 وجامع الترمذي 2/14 [8]

 رواه البيهقي في شعب الايمان. [9]

 

ذ. ربيعة الجدلي/ نور السلام بريس

حول Omar Benbadryef

Omar Benbadryef
Omar Benbadryef natif de Marrakech / Maroc. 1987 : Diplôme de Baccalauréat. 1988/1991 : Etude de la littérature française à l’Uni. Cadi Ayad de Marrakech / Maroc. 1991 : Photographe-journaliste avec International Foto Press Agentur (IFPA) Haag-Singen en RFA. 1995/1996 : Chef rédacteur de la revue arabique : Mayence Al Arabia au CIM en RFA. 1996/2002 : Etude de science politique/ Pédagogie / Ethnologie à l’Université Johannesburg de Mayence/ Allemagne (Mainz in Deutschland) et à l'Université de Trèves en Allemagne (Trier in Deutschland). 2003 : Certificat de journaliste par SGD de Darmstadt / Allemagne. 2004 : Diplôme en commerce électronique (Bac + 5) en SGD de Darmstadt / Allemagne. 2008 : Journaliste avec le journal arabophone « l’information d’aujourd’hui ». 2009/2010 : Journaliste au journal électronique : marrakechpresse.com. 2018 : Fondation et création du journal électronique : www.noorsalampress.com

اترك رد

Your email address will not be published. الحقول المطلوبة محددة *

*